2 Followers
25 Following
MSMO

MSMO

علي جناح التبريزي وتابعه قفة

علي جناح التبريزي وتابعه قفة - ألفريد فرج مسرحية علي جناح التبريزي وتابعه قفة ، مسرحية لألفريد فرج مستوحاة من ألف ليلة وليلة و تحديدا من 3 قصص هم المائدة الوهمية و حكاية الجراب و حكاية معروف الإسكافي ، صراحة كنت أتوقع ما هو أقوي من هذا ، نظرا لشهرة هذه المسرحية وما يذاع عنها بأنها تعتبر من أفضل أعماله ، لهذا و مع كثرة القراءة لكاتب واحد ، وخاصة عندما يركز علي موضوع بعينه ، حتي وإن جاء هذا الموضوع مستتر في هذه المسرحية ، فجاء تقييمها بثلاثة نجوم فقط ، لكن ما أحزنني هو أن هذه المسرحية تم إنتاجها أكثر من مرة ، سواء كانت في القاهرة أو في سوريا أو العراق أو الكويت ، لكن النسخة الأساسية لها هي ما أنتجته فرقة المسرح الكوميدي من إخراج الأستاذ عبد الرحيم الزرقاني و لآسف لم أعثر لها علي نسخة كاملة برغم أن النسخة الكويتية متوفرة لهذه المسرحية

https://www.youtube.com/watch?v=IuZoVEjnW7g

و لمن أراد قرائتها يمكن التحميل من هنا
http://www.4shared.com/get/65YWuiW_/____.html

و هناك مقال نقدي جيد لهذه المسرحية قام بكتابته بهاء طاهر بين دفتي كتاب 10 مسرحيات مصرية عرض ونقد اقتبس منها هذا الجزء
و يفضل أن لا يقرأ هذا الجزء من لم يقرأ المسرحية بعد

إذا ما تابعنا معا مسرحية على جناح التبريزى وتابعه قفة فالمسرحية تستند إلى موضوع كان يشغل ألفريد فرج فى أكثر من عمل مسرحي، ولم يكن ضمن اهتمامات ألف ليلة، أى موضوع البطل المثقف الذى يبحث عن مكانه ودوره فى المجتمع، وهو يتجلى فى هذه المسرحية، أمير بلا إمارة، وتاجرا بلا قافلة وداعية بلا اتباع.

تابعه الوحيد هو أول من ينكره ويسلمه. ولكن هذا البطل الوحيد ليس عاجزا تماما، فهو يملك بقوة الحلم الفكرأن يغير الواقع وأن يتقدم به. أسلافه العظام، آرسطو وابن سينا وعمر الخيام مثلا، الذين لا يفتا يذكرهم يبدون أشباحا باهتة فى عالم الحياة اليومية، عالم المبادلات النفعية الذى لا يعترف بهم، ولكن التبريزى يرث عنهم قوتهم الهائلة التى يسعها بالفعل إصلاح هذا العالم لو أصغى واستجاب

فى بدء المسرحية يكون التبريزى مفلسا فقد ثروته قصره وبستانه وكل ما يملك، ولكن ذلك لا يعنى عنده أنه أصبح فقيرا. فهو قد عرف متع الثراء كلها ويستطيع أن يسترجعها بخياله، فينصب لنفسه حين يجوع مائدة حافلة عامرة بكل ما لذ وطاب، فيحرك هذا الوصف شهية عابر متسلل هو قفة، يحسب المائدة حقيقية، ويفاجأ حين يدخل القصر الخاوى بألا شيء هناك، لكن التبريزى بوصفه البديع للمائدة الوهمية يقنع قفة بوجودها، بل وأن يمد يده ليشاركه فى تناول أطايبها!

وبقوة الحلم يصنع التبريزى مجده حين يرحل بعد ذلك مع تابعه قفه فى رحلة إلى بلد غير معروف عند حدود الصين وفى هذا البلد نجد المظالم التى كان يشكو منها قفة فى بغداد الجوع والفقر وقد تضخمت بشكل اسطوري. الثروة تتركز فى يد الشاهبندر والتاجر الغنى وصاحب الخان ثم الملك والوزير.أما بقية من نراهم من أهل هذا البلد فهم الشحاذون وحراس هذا النظام. لكن وصول التبريزى يقلب ترتيب الأشياء حين يطلق فى المدينة جنده الخفى أى أحلامه بتقمص دور الأمير السائح الذى تتبعه قافلة لاحد لما تضمه من بضائع وذهب وجواهر. ولكى يجيد حبكة، الوهم يأخذ رأسمال قفة الصغير ما أدخره من المال لدكان الإسكافى ويبعثره على شحاذى المدينة دون حساب. ويبهر كرمه أغنياء المدينة فيقرضونه أيضا دون حساب لكى يستردوا المال مضاعفا حين تصل القافلة.
بينما تنهال قروضهم يوزع هو كل ما يحصل عليه أولا بأول على حشود الشحاذين والفقراء فى السوق الذين يتحولون إلى تجار وصناع صغار ينافسون التاجر والشاهبندر. نجح حلم التبريزى الغريب وقافلته الوهمية فى تصحيح أوضاع مجتمع معتل وإعطائه حياة جديدة. ويزمع الملك فى الاستئثار بثروة القافلة لنفسه فيقرر أن يزوج ابنته من التبريزي، ويعطيه مفاتيح خزائن الدولة لينفق منها على العرش كما يشاء.

وما فعله التبريزى بثروة التجار يفعله مضاعفا بثروة الملك، يوزعها أيضا على المحتاجين من الرعية. أما هو فلا يحتفظ لنفسه بشيء. فهو قانع دائما بكسرة خبز وزيتونة أول العالم ومنتهاه على حد قوله. ولكن قفة، لا يغفر له ذلك أبدا فقد ضاعت النقود دون أن يحصل على شيء، ويعده التبريزى خيرا عندما تصل القافلة! ويعلق على انكار قفة لوجود القافلة بقوله كيف وقد صنعت القافلة كل هذا الرخاء فى البلد وهى لم تصل بعد؟.

ولكن إذا كان حلم التبريزى هو أن يوفر للناس كافة كسرة الخبز والزيتون فيمتنع الجوع والبؤس، ومد الأيدى بالسؤال، فإن أحلام قفة تختلف كثيرا.
لا تحتضن العالم وتفيض على الغير، بل هى أحلام بغداد التى يعيش فيها بوجدانه أنا فوق الجميع شريعة التطلع الفردى الأبدية المناقضة تماما والهادفة ليوتوبيا التبريزي، أو للمدينة الفاضلة التى يحلم بها الفلاسفة والمثقفون.

يتابع ألفريد فرج فى هذه المسرحية الجميلة أيضا العزف على أوتار موضوع تعمق فيه من قبل فى مسرحياته الكوميدية والتراجيدية على السواء، أى العدل بمعناه المطلق، الذى حارب الزير سالم من أجله وأطلق ألفريد على لسانه تلك الصيحة الشهيرة الظلم ذلك النجم الأسود الثابت فى نهار السماء، ما الذى يستطيع أن يسقطه؟ ويناقش هنا العدل الاجتماعى بالتحديد، الذى توقف عنده فى مسرحيات مثل عسكر وحرامية وجواز على ورقة طلاق. لكنه فى هذه الكوميديا البارعة يتمهل لتأمل مسئولية المفكر أو المثقف بشكل عام عن إقامة العدل فى المجتمع. وهو يؤكد هنا أن دوره يوشك أن يكون أهم الأدوار، إذ بقوة الفكر وحدها تتقدم الحياة بشرط أن يتاح لهذه القوة فرصة العمل الفعال. فإذا كان التبريزى قد غير وجه الحياة فى المدينة البائسة نحو الأفضل فإنه لم يفعل ذلك إلا حينما زاوج الخيال بالقدرة أى بعد أن أعطاه الملك مفاتيح خزائنه ليوزع الثروة بمعنى أشمل عندما أتاح له المشاركة فى سلطة القرار. فحتم لكى يلعب المفكر دوره أن يكون فى مركز القدرة. ويتصادف أن يتطلب عمله وجوده فى هذا المركز بمثل ما يتصادف أن يكون عمل الإسكافى فى دكانه أو على قارعة الطريق ففى كل أنواع المدن الفاضلة يجب أن يكون المثقفون أصحاب الرؤية فى قلب السلطة، على أن يكونوا بالطبع بلا أطماع، يقنعون كالتبريزى بكسرة الخبز. وما لم يلعبوا هذا الدور ويجسدوا فى المجتمع رؤاهم لصالحه فحتم أن تكون صورة الحياة ببؤسها الذى عرفه قفة فى بغداد أو فى مدينة الشحاذين قبل أن يلمسها التبريزى بعضا خياله السحرية.

هكذا تكلم ألفريد فرج. هكذا قدم وصيته لمدينة العدل الفاضلة. وإذا كان قد رحل عن دنيانا من قبل حتى أن تلوح فى الأفق ملامح هذه المدينة، ومن قبل أن تتاح للمثقفين أى قدرة على المشاركة لمزاوجة أحلامهم بالأفعال، فإن رسالته باقية عسى أن يأتى يوم تصغى لها الآذان.